أولاد الأصول، وبناته

صفق الباب بقوة تاركاً جسدها النحيل غارقاً في أوجاعه، ودموعها..
مرت دقائق حتى تمالكت نفسها، توقفت عن النحيب وجاهدت حتى تنهض..
واستقلت سيارة أجرة إلى بيت أهلها..كان المنزل هادئاً كعادته، حين أفزعهم صوت الطرق على الباب في مثل هذه الساعة..
هرولت الأم لتفتح الباب، فسقطت ابنتها بين يديها في حالة أشبه بالإغماء:
- نسرين، ماذا حصل يا ابنتي؟؟
- ….. هــــ ا.. ممـــ … أد.. هــ.. م..
- هدى، اتصلي بالطبيب حالاً.
……
كان الأب جالساً على أريكة قريبة من باب الغرفة، واضعاً خده على يده، يبدو عليه الخوف، وكثير من اليأس.. هدى بجانبه تمسح دموعها تارة، وتربت على كتف والدها تارة أخرى..
خرج الطبيب من غرفتها بعد نصف ساعة، وما إن رآه حتى هب الأب واقفاً يسأل في رجاء كالأطفال:
- دكتور؟!
- اطمئن ياسيدي، ابنتك بخير، وكذلك الجنين..
ثم عقد حاجبيه بخجل غاضب وقال: رغم أنها نزفت كثيراً، وبصورة غير عادية!!
- إذاً، ابنتي بخير؟
- نعم، الحمد لله أننا تداركنا الأمر بسرعة، يمكنكم الدخول والتحدث إليها..
لكني لا أنصح بتعريضها لأي انفعال في الفترة القادمة، لأن أي مشاكل قد تؤثر في حالتها النفسية فيما بعد..
-شكراً دكتور، سأصحبك إلى الباب
وفي غرفتها..
مستيقظة، يإعياء تنظر إلى أمها الباكية بجانبها، حتى دخلت هدى تخبرهما أن الوالد لن يسكت على الوضع، وسيعرف كيف يتعامل معه..
لم تمضِِ برهة صمت على جملة هدى، حتى رنّ هاتف نسرين النقال:
- ألو
- ألو نسرين؟
- (وقد اغرورقت عيناها بالدموع) نعم أدهم، ماذا تريد؟
- هل أخبرتِ والدكِ بأني ضربتك؟؟ أتريدين أن تفضحيني؟؟
(واحتد، وارتفع صوته) هذه ليست تصرفات بنات الأصول.. أنتِ طالق!
——————
——————هذه قصة حقيقية..
حصلت مع فتاة أعرفها.. وأعرفها جيداً
قد أختلف معها قليلاً، وأضع أكثر اللوم عليها مع أنه يوم ليلى هذا اليوم..
لكني ألومها لصالحها.. لصالح كل فتاة، وربما كل شاب يؤسسان بيتاً، أوعلى وشك..نسرين، أعادوها منذ بضعة أشهر
بعد أن أنجبت ولداً، وعانت وأهلها من تكاليف الحمل والأطباء، والعلاج، ومصاريف الطفل، وبعدها عن زوجها
الذي تزوجته عن حب!!!
جرحتني عودة نسرين شخصياً (ونسرين ليس اسمها الحقيقي)
كنت أتمنى أن أذهب إليها، وأطلب منها أن لا تتنازل، ولا تعود
نسرين متعلمة، جامعية، جميلة جداً جداً جداً
من عائلة محترمة، متديّنة.. ومعروفة وثرية.. قد لايكون حالها كما هو قبل الزواج، لكنه بالتأكيد أفضل بكثير من سيل الإهانات الذي مازالت تتعرض له حتى بعد المصالحة وعودتها لأدهم..
لماذا كان عليها أن تتنازل هي
وتعود هي، دون أن يعاقب أو يلومه أحد على فعلته
ويظل مصراً أنه على حق، وأن هذه الأمور تحصل في كل بيت (مع أني أعرف أن هذا غير صحيح)
ولماذا تظل تحتمل، لأنها من يقال عنها مطلقة، ويخرج هو إلى المجتمع على انه “تزوج سابقاً” ويبحث عن ابنة حلال
ولهذا عادت، لكي لا يقولوا مطلقة، ولديها طفل، لماذا عليها أن تخاف ألسنة الناس وهو لا؟؟
لماذا تأكل على رأسها.. كل علقة أكبر من أختها، وكل إهانة اكبر من سابقتها، وتحارب أهلها ولا تكلمهم عند طلبه
وتطيعه لأن طاعة الزوج واجبة.. لماذا كل هذا
وعليها في النهاية أن تسكت، لأن البيوت أسرار، ولأنها بنت أصول، ولأنه (حين يغضب لا يتمالك نفسه ويفعل ما لا يقصد، وعليها أن تمتص غضبه)
أليس لها غضب هي الأخرى يحتاج إلى من يمتصه؟
أعتقد (ياسيد أدهم، وهو ليس اسمه الحقيقي أيضاً) أن من يحفظ هذا الكم من القواعد المتعلقة بأسرار البيوت، وطاعة الزوج وأوامر الله للزوجة
يعرف أقل الأمور عن سيد الخلق عليه الصلاة والسلام ويعرف عن “رفقاً بالقوارير” و” استوصوا بالنساء خيراً” و “عاشروهن بالمعروف” وعن العدل، وعن المساواة، وعن الرحمة والمودة، وأنه كان أكثر الرجال ليناً، وحناناً، ورقيّاً..
ونسرين الآن عليها اللوم، لأنها سكتت، لأنها أنجبت الثاني.. ومازالت تعاني
وسيعاني أولادهما من علاقة زوجية متوترة، وأم ضعيفة الشخصية ستعكس ذلك على أولادها بشكل أو بآخر، وستحمل همهم، وبعض ذنبهم بشكل أو بآخر…
أنا لا أقول يا نسرين أن تخطئي في حقه، أو تهينيه، أو تتعمدي إغضابه أو فضحه، لكن حين يكون لك حق، لا تسكتي عنه.. وسيسألك الله عن هذا يوم السؤال
http://www.mzgraphics.com/an3/index.php?action=file&id=51
كنت كتبت هذه في السابق حين عادت إليه..
لن أكررها هنا، فالقصة تكفي كموضوع قديم.. ولكي لا يضطر أحد أن يقرأها إن لم يحب ذلك



كتب بواسطة bluerose
September 9, 2006 @ 1:43 pm
مش عايزة اقول جميل , هو موجع , لكن كالعادة كتابتك رائعة يا منار