أصله ما عدّاش على مصر
-
يومان، يومان من الرجوع الموجع.. والعالم موحش.. وفقد يجلس فوق كتفي.. فقد أكبر بكثير من وزني واحتمالي..
يومان، ولم أجرؤ بعد على الخروج من بيتنا.. لئلا أصدم بالحقيقة المرة.. أني فعلاً سافرت.. أني رجعت.. أني في دبي.. أمشي في شوارع غير شوارع القاهرة.. وازدحام غير ازدحام مصر..
وتحقق الحلم، وكأنه ما تحقق.. كأنه لم يكن..
***
لا يمكنك أن تتكلم كلاماً منطقياً أمام امرأة تحبها..
لايمكنك التحكم بعضلة لسانك، أو ترتيب أفكارك وهي جالسة أمامك توتّرك وهي تنظر في عينيك، وأصابعها تلعب بخفة بخصلات شعرها الأسود..
لم أتمكن من الكتابة جيداً أثناء تواجدي هناك
لأني كنت منهمكة في الشعور بالفرح، وخفة الوزن الرهيبة التي كان يتمطى فيها قلبي.. وراحة الروح هناك..
بدأ الاستيعاب أني فعلاً زرت مصر، حين عدت إلى بيتنا..
حين توقفت القاهرة عن النظر إليّ في عيني
حين هدأ شعرها الأسود.. حين أدرت ظهري لسَمَارِها المشاغب
حين هربتُ منها وهي نائمة.. لأتجنب دلالها وهي “تتحايل” عليّ أن أبقى!
بدأت أكتب بعد يومين من الوصول.. لأندم على راحتي.. وأتعب كما يجب!
***
هناك..
لكل وجه حكاية..
تقول صديقتي أن الزمن وتجارب الحياة محفورة في وجوه الناس.. فعلاً.. لكني أقول: فقط في مصر وليس في أي مكان آخر
تركب المترو.. التاكسي، تمشي في الشارع.. تتمنى أن تمسك كل واحد من المارة وتسأله: مالك؟ حكايتك إيه؟ رايح فين؟ مين مزعلك؟ إيه اللي مخليك كده فرحان؟ هل أنت راضٍ عن نفسك؟ لدرجة، أني تمنيت أن أطلب من العاملة في محل بيع السيديهات أن تأتي معي لنشرب فنجان قهوة.. لأني لم ارَ ابتسامة بهذا الصفاء.. وهذا التعبير.. وهذا الدفء البرئ..
لم أشعر في حياتي بهذا الفضول تجاه أي وجه كان.. هناك يعمل الفضول عندك على أعلى المستويات.. لأن لكل وجه روح.. لكل وجه تجربة مع الشارع، والمترو، والقطار، والأوتوبيس.. والهواء.. لكل وجه، وجهة نظر مختلفة لو سمعتها ستفتح باباً جديداً تتعلم منه كيف تحب القاهرة أكثر!
***
تكتشف نفسك في الأماكن البعيدة.. في السفر خصوصاً، حيث من المفروض أن لا يعتني بك أحد، ولا تكون طفل أحد
اكتشفت أول ما اكتشفت أني لا أجيد اللهجة المصرية إلاّ كتابةً.. لأن أصول النطق “ضاربة” عندي حبتين
وإني بشرب قهوة كتير..
كمان اكتشفت ان فيه حاجة جوايا بتتكلم.. غير لساني..
شفت حتة مني في محطة مصر.. بتشرب قهوة على الكافيتيريا.. وبتبص لي أول ما شافتني وبتبتسم
حتة مني سبتها هناك.. ورجعت.. سبتها تمشي قدام عيني، ولأني مش بعرف أودّع حد.. ما ودعتهاش كويس.. وسبتها تمشي!
***
(حدوتة مصرية؟؟)
ياعم بلاش وجع قلب.. احنا ماصدقنا “نِنْشَف”
سمعناها مرة، مرّة صدفة كده كنت ف مصر.. ومحاطة بأحبابي.. كل أحبابي
كل واحد من الموجودين حس بوجع.. من غير اتفاق ومن غير ما يقول
وكل واحد بكى.. ومحدش شاف دمعته غيره
وكله كان بيغني مع منير، ومحدش كان صوته حلو.. بس كان الغُنا حلو..
كانت لحظة.. مصرية جداً.. جداً!
ولو عرفوا انها كانت أول مرة أسمع الأغنية دي.. كانوا رموني من فوق الكوبري :)
***
— هامش ملهوش دعوة —
في يوم من الأيام راح أجري على حضنك
وسجارتي ف إيدي، والإرهاق وقلة النوم باينين تحت عيوني
واستخبى فيك.. أستخبى واقولك: خبيني، خدني هناك.. هناك وانساني
بينك وبين قميصك.. ومتفتحش عليّا لحد
ده محدش واخدني زي ما انا، محدش راضيني زي ما انا.. محدش قابلني (باكيج) زي ما انا.. وكله عاوزني من غير عيوبي
خدني كده، احتويني. وطبطب عليا..
وهيبقى الباقي كله على جزمتي..
ومش هتقوللي معلش، مش هتقول هانت.. مش هتقول.. كده أحسن!
— نهاية الهامش —
***
سألتني: انتي نسيتي حاجة عندي في البيت؟؟
طب أقول لها إيه دي؟
…
والنبي أقول إيه؟
لمّيت كل حاجة في الشنطة
إلاّ قلبي.. مقدرش يدخل.. منيفعش يدخل أساساً.. مفيش حاجة توسع له.. ابقي خللي بالك عليه..
عشان صغير أوي.. وهو أول واحد عندي.. وهيعدي وقت طويل على ما اقدر اجيب تاني!
هيبقى مبسوط عندك.. وفي مصر!
***
طلعت حرب..
ميداااان طلعت حرب..
وأن ترى غير أن يصف لك أحد..
أن ترى.. وتمشي هناك، وتحس بأنك أصغر من في الكون.. تحس بأنك طفل الدنيا..
من جهة جروبي.. ومن الأخرى مدبولي.. ومطاعم ومحلاّت ورجال تمشي وسيارات تغني أغاني شعبية ظننا أنها انقرضت..
والبنايات على الطراز الإنجليزي.. زخارف، وتصاميم، كل مبنى منحوتة مستقلة..
و24 على 24: طااط طاااااط.. طاااط طاااط..
وَنَس…
لم ارَ في حياتي مدينةً وَنَس كالقاهرة.. أو كوسط البلد تحديداً
مررتُ في طريق العودة على القهوة.. قهوة شعبية عادية جداً في وسط البلد..
ياخبر.. أيها الناس.. القهوة والشوارع.. لها تعريف آخر..
***
مشتاقة يابشر.. يابني آدمين
مشتاااقة.. وتعبانة..
انا رحت برضاي.. ومشيت وكان ممكن اقعد كمان شوية..
كانت أمي هتطلّق بس.. بسيطة!
احنا ماصدقنا نبقى حبايب.. يبقى عندنا اللي نشتاقله وهو بعيد
ماصدقنا نودّع حد زعلانين بجد على وداعه.. ونحب حد كان حلم.. وبقى حقيقي..
أنا ماصدقت أتحاط بكمية حب محلمتش بيها.. واقول بالفم المليان وانا ببص على الماضي: أنا كنت بزعل على إيه؟ وإيه اللي كان يستاهل أصلاً؟؟
آخ يابشر.. يابشر مشتاقة..
***
إيه الفرق بين القاهرة وأي مدينة تانية.. الكل سألني: اشمعنى القاهرة..
.. ياجماعة القاهرة كبيرة، زحمة.. ودوشة.. وشمس.. ونيل.. وكلاكسات وناس مبسوطة وهي زعلانة
متدينين، وملحدين.. ومعتدلين ومتطرفين.. بنات كتير وشباب.. فلاحين، ورجال أعمال، وسوّاقين تاكس.. جامعات.. ومطاعم وقهاوي
كلهم بيسلموا عليك.. وبيقولولك: مش لازم تعرف احنا مين.. واحنا مش عايزين نعرف انت مين.. بس صباح الخير..
القاهرة بتسلم عليك على طول.. وبتعرفك كويس.. حتى لو انت رايح لها لأول مرة..
القاهرة هي المدينة الوحيدة في عيني، اللي يتكتب لها، وعنها.. وفيها.. وليها من بعيد..
***
هو احنا ممكن نشوف حد مرة وحدة.. ونحبه بعد كده كل مرة؟
أهو حصل.. ولجل الحظ.. اللي تحبه كتير، تشوفه شوية أوي.. وكفاية كده وجع قلب!
***
تركب سيارة التاكسي
تعرف بمجرد إغلاق باب السيارة أنك ستتعرف على مصر كلها
آراؤها في كل أمور الحياة.. والفن، والدين والسياسة.. وتتعرف إلى أحدث (موضة) في الألفاظ والشتائم - الخفيفة الظل
هناك المواطن المصري العادي الذي يلتقي في اليوم بكافة فئات الشعب والسياح والزوار
فيأخذ منهم ليصب في عقله البسيط أحياناً، والعارف أحياناً أخرى..
تركب مع صوت الشارع الحقيقي.. تكتسب معرفة كبيرة قد تكون عندك من قبل، وتحصل على معلومات قد تفيدك وقد لا تفيدك أبداً.. وتأخذ بسمات لا تتوقعها.. كل هذا مقابل جنيهات قليلة..
***
مشكلة.. مشكلة انك تروح فاكر انك عايش.. ومبسوط، ومحبوب
تلاقي نفسك بتتحب من أول وجديد، وبتعيش بشكل تاني خالص وبتتغير كل مقاييسك في الشعور
وتقول لحد من صحابك وانت واثق: ياعم انت مش هتخليني اتجوز، انت رفعت “الكرايتيريا” خلاص
والحد ده نضيف، طيب، خلوق.. بتحبه.. بتحبه من قلبك.. وهو غير كل الناس.. غير كل الناس!
ومشكلة لما “ستاندرد” الرجولة يرتفع.. ويبقى صعب انك تسابقه.. أو حتى تفكر انك تلحقه
ويعملولك اللي ما تتوقعوش من أهلك أو أعز صحابك..
إنت نفسك بتبقى غريب عن نفسك.. قدام كرم وطيبة زي كده!
وناس.. ناس متتخيلهاش.. تيجي تسلم عليك.. وتودّعك في المطار، وتتصل بيك تطمئن عليك
سلوك قاهري بحت.. سلوك كريم وطيب
***
في إيدي سجارتين كليوباترا..
وحدة للذكرى من صديق عزيز.. ووحدة تانية سرقتها من ورا صحابي اللي مش عايزيني ادخن من أساسه
بس انا سايبة الاتنين لما احس ان الهوا هنا هيقتلني خلاص.. هدخّنها لما أعوز اشم هوا القاهرة.. ومعاييش فلوس للتذكرة
ومعايا صوت صحبتي بتقول لي: متدخنيش.. مش عشان شكلك، انتي شكلك بيبقى لذيذ خالص والسيجارة ف إيدك.. بس بطلي عشان صحتك!
ومعايا “شغل كايرو” لمحمود عزّت.. هدية من صديق عزيز.. ومعايا “أن تكون عبّاس العبد” رواية مجنونة حتى الصفحة التي وصلت إليها في القراءة.. وورد بلدي.. ريحتهم وريحة اللي جابهم في قلب قلبي.. وعقد جميل من شخص جميل.. ياخبر!
حاجات.. حاجات بسيطة.. من ريحة مصر!
***
يااااه ياجماعة.. أنا مخلصتش
أنا تعبت.. تعبت كتير..
بس مش قادرة اصبر.. ونفسي الكل يشوف الكلام ده.. ويقرأني..
عشان يعرف قد إيه انبسطت.. وقد إيه تعبت لما حسيت اني داخلة المطار!
يمكن أعدل على الكلام.. أكتبه بشكل أفضل.. بس دلوقت.. شوفوه من غير زواق
هكمّل!




كتب بواسطة محمد الهنداوى
November 14, 2007 @ 2:38 am
شوفوه من غير زواق
وهو لسه فيه زواق اكتر من كده؟
حمد الله على السلامه